دور الإنترنت في الثورات العربية
شهد العالم العربي في السنوات الأخيرة تحولات جذرية أثرت بشكل كبير على المشهد السياسي والاجتماعي، وكان للإنترنت دور محوري في هذه التحولات. فقد لعبت الشبكة العنكبوتية دورًا حاسمًا في اندلاع الثورات العربية، وسهلت التواصل بين المتظاهرين، ونقلت صورة حية للأحداث إلى العالم أجمع. في هذا المقال، سنتناول بالتفصيل دور الإنترنت في الثورات العربية، وآثاره المختلفة على المنطقة.
تعد الإنترنت ثورة تكنولوجية أفرزت تحولا كبيرا داخل المجتمعات الغربية والعربية منها خاصة، فقد كانت وما زالت بمثابة طفرة عميقة حولت الكثير في عقلية الجيل العربي الجديد من جهة ومن طبيعة المعلومة والإعلام العربي من جهة أخرى. وبين هذا وذاك شاهد العام بأسره كيف أن الشبكة العنكبوتية تحدت كل العراقيل الظرفية والرقابة الحكومية لتنجح في نقل الخبر من السر إلى العلن.
1.الإنترنت كأداة للتواصل والاتصــال
تخطي الرقابة: تمكن النشطاء من تخطي الرقابة الحكومية على وسائل الإعلام التقليدية، ونشر الأخبار والأفكار بحرية عبر منصات التواصل الاجتماعي
بناء المجتمعات الافتراضية: ساهمت المنصات الاجتماعية في بناء مجتمعات افتراضية تجمع النشطاء من مختلف البلدان، مما سهل التنسيق والتخطيط للاحتجاجات
تبادل المعلومات: ساهم الإنترنت في تبادل المعلومات والأخبار بسرعة فائقة، مما زاد من وعي المواطنين بحقوقهم وكيفية المطالبة بها
2.تغطية إعلامية حية للأحداث
نقل الصورة الحقيقية: تمكن المواطنون من تصوير الأحداث وتسجيلها ونشرها مباشرة عبر الإنترنت، مما كشف عن انتهاكات حقوق الإنسان التي كانت ترتكبها الأنظمة الحاكمة
كسر احتكار الإعلام الرسمي: ساهم الإنترنت في كسر احتكار الإعلام الرسمي للأخبار، ووفر للمواطنين مصادر معلومات متنوعة ومستقلة
ضغط على المجتمع الدولي: ساهمت الصور ومقاطع الفيديو التي انتشرت عبر الإنترنت في الضغط على المجتمع الدولي للتدخل والوقوف إلى جانب الشعوب العربية
3. آثار الإنترنت على المدى الطويل
تمكين المواطنين: ساهم الإنترنت في تمكين المواطنين وزيادة وعيهم بحقوقهم، مما ساهم في تعزيز المشاركة السياسية
تغيير نظم الحكم: أدى دور الإنترنت المحوري في الثورات العربية إلى تغيير أنظمة الحكم في العديد من الدول، وفتح الباب لإصلاحات سياسية واقتصادية
تحديات جديدة: يواجه العالم العربي تحديات جديدة في ظل التطور السريع للتقنيات الرقمية، مثل انتشار الأخبار الكاذبة والتطرف الرقمي.
الإنترنت.. سلاح المعرفة والتغيير
1-توفير منصة للتعبير الحر:
مشاركة الآراء والأفكار بحرية بعيدًا عن الرقابة
فضح الانتهاكات والجرائم التي ترتكبها الأنظمة الحاكمة
تكوين رأي عام وطني وإقليمي حول القضايا المطروحة
2-تسهيل التواصل وتنظيم الاحتجاجات:
إنشاء مجموعات وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي
نشر المعلومات حول مكان وزمان التظاهرات والمشاركة فيها
تنسيق الجهود بين النشطاء والمحتجين
3-نشر الوعي السياسي:
تقديم معلومات حول الحقوق والحريات والمسؤوليات المدنية
تحليل الأحداث السياسية وتقييم أداء الحكومات
تشجيع المشاركة السياسية والانتخابات
4-كسر حاجز الخوف:
إعطاء الشعور بالقوة والوحدة للمحتجين
توفير الدعم النفسي والمعنوي للمشاركين في الثورات
تسجيل الانتهاكات وتوثيقها كأدلة ضد الأنظمة الحاكمة
5-تسريع وتيرة التغيير:
زيادة الضغط على الأنظمة الحاكمة لإجراء إصلاحات
تسريع سقوط الأنظمة الفاسدة
فتح الباب أمام حوار وطني شامل
تحديات تواجه استخدام الإنترنت في الثورات
على الرغم من الإيجابيات الكبيرة التي قدمها الإنترنت للثورات العربية، إلا أنه واجه أيضًا بعض التحديات، مثل:
1-الرقابة الحكومية على الإنترنت:
حجب المواقع الإلكترونية وتعطيل خدمات الإنترنت
اعتقال النشطاء والمحتجين
2-انتشار الشائعات والأخبار الزائفة:
التأثير على الرأي العام وتضليل المتظاهرين
تخويف الناس من المشاركة في الاحتجاجات
3-استغلال الإنترنت لأغراض سياسية ضيقة:
توجيه الحركات الاحتجاجية نحو أهداف بعيدة عن مطالب الشعب
استخدام الإنترنت لتنظيم أعمال عنف وتخريب
أجرى مركز بيو الأمريكي للأبحاث استطلاعا للرأي يضم الألاف من المفكرين ورجـــــال الأعمال في مجـــــال التكنولوجيا، للتنبؤ بمستقبل شبكة الانترنت العالمية خـــلال العقد القادم.
البعض كان متفائلا في توقعاته، ويأمل بعدم حدوث تغييرات للأسوأ قد تعيق من الاتصال بالشبكة، ويتوقع أن تمنح تكنولوجيا الابتكار المزيد من الفرص الجديدة التي من شأنها سوف تمكن مليارات المستخدمين من الوصول إلى الإنترنت بحلول عام 2025، وذلك بفضل ثورة الإنترنت عبر الهواتف المحمولة، أما البعض الآخر فقد كان متشائما في توقعاته، مؤكدا وجود مخاطر وتحديات جسيمة تهدد شبكة الإنترنت، ولا يمكن تجاهلها على الإطلاق، ومن أبرز تلك التحديات كما ورد في الاستطلاع:
رقابة الحكومات على الإنترنت
إن الإجراءات التي تتخذها الدول فيما يتعلق بالرقابة على شبكة الإنترنت من أجل الحفاظ على الأمن والسيطرة السياسية، بالطبع سوف تؤدي إلى حدوث المزيد من عمليات الحجب، التصفية، التقسيم، ويرى الخبراء أن الرقابة على الإنترنت من أخطر التهديدات التي تواجه الاتصالات في جميع أنحاء العالم، خاصة أن ثلث تلك الاتصالات أصبحت بالفعل خاضعة لرقابة الدول (وبالطبع هذا العدد في تزايد مستمر).
فقدان الثقة
يتوقع الخبراء أن ثقة المستخدمين في شبكة الإنترنت سوف تتضاءل في المستقبل نتيجة الكشف عن أنشطة التجسس والرقابة التي تمارسها الحكومات بالتعاون مع شركات الإنترنت، والتي بدورها تنتهك خصوصية الفرد الرقمية. كما أن تداعيات الكشف عن أنشطة التنصت الأمريكي سوف تؤدي إلى الحصول على البيانات “مجزأة جغرافيا” بطرق صعبة للغاية
سيطرة الشركات على شبكة الإنترنت
تؤثر الضغوط التجارية على كل ما يتعلق بشبكة الإنترنت، وبالتالي من المتوقع أن تشكل تلك الضغوط خطرًا كبيرًا على البنية المفتوحة في عالم الإنترنت، حيث يخشى الخبراء من زيادة “تسييل أنشطة الإنترنت” التي قد تضر بوسائل حصول المستخدمين على المعلومات في المستقبل. كما يرى الخبراء أن تزايد قوة المتصيدون لبراءات الاختراع سوف يُهدر المزيد من الطاقة في العمل على إيجاد الحلول، بدلا من النمو والابتكار، وبالتالي ضرورة مراجعة قوانين الملكية الفكرية.
زيادة تدفق المعلومات
يرى الخبراء أن هناك ضرورة قصوى لزيادة النمو في الوصول إلى المعلومات عبر شبكة الإنترنت (تبادل كميات أكبر من المعلومات)، والتي ربما تساعد على تحسين حياة الأفراد والمجتمعات في ظل تلك التحديات المُقلقة، ولكن يبقى التحدي الأكبر هو أنه من المرجح أن يواجه الفرد صعوبة في العثور على المحتوى المناسب له، وبالتالي تزداد المخاوف من محاولات المستخدمين لمواجهة الحمل الزائد للمعلومات، الأمر الذي سوف يؤدي إلى فرض قيود على المحتوى الرقمي، لذا يجب أن يكون التوجه نحو: إتاحة المعلومات على نطاق واسع، الوصول إليها بسهولة، تعديلها، وإعادة توزيعها.
والسؤال المطروح الآن هو: ما هي الإجراءات الوقائية التي ينبغي أن نقوم بها في مجتمعنا العربي، لمواجهة ذلك التحدي الجديد الذي فرض علينا بعولمة الفضاء المعلوماتي من خلال الشبكة العنكبوتية، والذي يبدو أنه لا مناص لنا من خوضه، والتعامل معه، شئنا أم أبينا؟
لا شك أن المطلوب الآن، هو: المبادرة لوضع ضوابط للاستخدام، تراعي الاعتبارات القِيَمية والأخلاقية للمجتمع، والتركيز على وضع ضوابط تنظم سياسات الخصوصية، بشكل يمنع التجاوز على خصوصيات الأفراد، ويمنع التجاوز على معتقداتهم، والإساءة إلى مشاعرهم.
كما أن المطلوب هو الحد من تدفُّق الصور الماجنة، ومقاطع الجنس الإباحية، التي تهدم أخلاقيات المجتمع، وتخلخل معتقداته، وتؤدي بالمحصلة إلى التحلُّل القِيَمي، والانحدار الأخلاقي
ولعل التركيز على ثقافة احترام القيم، والمُثل الدينية للإسلام الحنيف، ومراعاة قيم التراث، وتشجيع التوسع في نشرها، والحفاظ عليها من المسخ والتشويه، وحمايتها من الانقراض بانتشار الثقافة المتحللة وغير المسؤولة، التي أسقطتها عولمة الفضاء المعلوماتي بدخول الإنترنت إلى كل مفاصل حياتنا المعاصرة
في الختام لا يمكن إنكار الدور المحوري الذي لعبه الإنترنت في الثورات العربية، حيث ساهم في تغيير مسار التاريخ في المنطقة. ومع ذلك، فإن استخدام الإنترنت في الثورات يواجه تحديات كبيرة، ويتطلب من النشطاء والمواطنين تطوير مهاراتهم في التعامل مع المعلومات وتجنب الوقوع في فخاخ التضليل والتحريض.